جلال الدين السيوطي

51

الإتقان في علوم القرآن

على المشبّه إلّا بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به . فكان استعمالها فيما وضعت له ، فيكون حقيقة لغويّة ، ليس فيها غير نقل الاسم وحده ، وليس نقل الاسم المجرّد استعارة ؛ لأنّه لا بلاغة فيه ، بدليل الأعلام المنقولة ، فلم يبق إلّا أن يكون مجازا عقليا . وقال بعضهم « 1 » : حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها . وحكمة ذلك : إظهار الخفيّ ، وإيضاح الظاهر الذي ليس بجليّ ، أو حصول المبالغة ، أو المجموع . مثال إظهار الخفيّ : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ [ الزخرف : 4 ] فإنّ حقيقته : ( وإنّه في أصل الكتاب ) فاستعير لفظ الأمّ للأصل ؛ لأنّ الأولاد تنشأ من الأمّ كما تنشأ الفروع من الأصول . وحكمة ذلك : تمثيل ما ليس بمرئيّ حتى يصير مرئيّا ، فينتقل السامع من حدّ السّماع إلى حدّ العيان ، وذلك أبلغ في البيان . ومثال إيضاح ما ليس بجليّ ليصير جليا : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [ الإسراء : 24 ] فإنّ المراد أمر الولد بالذلّ لوالديه رحمة ، فاستعير للذلّ أوّلا ( جانب ) . ثم للجانب جناح ، وتقدير الاستعارة القريبة : ( واخفض لهما جانب الذل ) أي : اخفض جانبك ذلا . وحكمة الاستعارة في هذا : جعل ما ليس بمرئيّ مرئيا ، لأجل حسن البيان . ولمّا كان المراد خفض جانب الولد للوالدين - بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة ممكنا « 2 » - احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى ؛ فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب ؛ لأنّ من يميل جانبه إلى جهة السّفل أدنى ميل ، صدق عليه أنه خفض جانبه ، والمراد خفض يلصق الجانب بالأرض ، ولا يحصل ذلك إلّا بذكر الجناح كالطّائر . ومثال المبالغة : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] وحقيقته : ( وفجّرنا عيون الأرض ) ، ولو عبّر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأوّل ، المشعر بأنّ الأرض كلّها صارت عيونا . فرع : أركان الاستعارة ثلاثة « 3 » :

--> ( 1 ) البرهان 3 / 433 . ( 2 ) في البرهان 3 / 433 : مركبا . ( 3 ) انظر البرهان 3 / 435 ، والإكسير ص 110 .